صديق الحسيني القنوجي البخاري
132
فتح البيان في مقاصد القرآن
فيه ، مع أنه أخصر وأشهر لأن المعنى من الذين اتصفوا بالكذب ، وصار خلقا لهم ، فهو يفيد أنه كاذب لا محالة على أتم وجه ، ومن كان كذلك لا يوثق به . وقال البيضاوي : التغيير للمبالغة ، والمحافظة على الفواصل . ثم بينّ سليمان هذا النظر الذي وعد به فقال : اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ أي : إلى أهل سبأ . قال الزجاج : في ألقه خمسة أوجه قرىء بها ، وخص الهدهد بإرساله بالكتاب لأنه المخبر بالقصة ، ولكونه رأى منه من مخايل الفهم والعلم ما يقتضي كونه أهلا للرسالة . ثُمَّ تَوَلَّ أي : تنح وانصرف عَنْهُمْ وقف قريبا منهم وإنما أمره بذلك لكون التنحي بعد دفع الكتاب من أحسن الآداب التي يتأدب بها رسل الملوك ، والمراد التنحي إلى مكان يسمع فيه حديثهم ، حتى يخبر سليمان بما سمع . وقيل : معنى التولي الرجوع إليه ، والأول أولى لقوله : فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ أي تأمل وتفكر فيما يرجع بعضهم إلى بعض من القول ، وما يتراجعونه بينهم من الكلام . قال ابن عباس : كن قريبا منهم ، فانظر ما الذي يردونه من الجواب قالَتْ بلقيس : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ في الكلام حذف ، والتقدير : فذهب الهدهد فألقاه إليهم ، فسمعها تقول يا أيها الملأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ والملأ : هم الأشراف . سموا ملأ لأنهم يملأون العيون ، وفاعل ( ألقي ) محذوف ، قيل : لجهلها به إن لم تكن شاهدته : وقيل : لاحتقاره إن كانت رأته ، والكريم ، المكرم المعظم . ووصفت الكتاب بالكريم ، لكونه من عند عظيم في نفسها ، فعظمته إجلالا لسليمان . وقيل : لاشتماله على كلام حسن . وقيل : لكونه مصدرا بالبسملة . وقيل : لغرابة شأنه . وقيل : لكونه وصل إليها مختوما بخاتم . سليمان ، و « كرامة الكتاب ختمه » ، كما روي ذلك مرفوعا . قال ابن المقفع من كتب إلى أخيه لم يختمه فقد استخف به . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 30 إلى 35 ] إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 ) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ( 32 ) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ ( 33 ) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 ) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 ) ثم بينت ما تضمنه هذا الكتاب فقالت : إِنَّهُ مِنْ عبد اللّه سُلَيْمانَ بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ .